رحيل

رحيل ..

لقد راودته فكرةُ الرحيلِ أكثرَ من مرّة لكنّها ظلّت خاطرا يجيءُ و يروح يدافعُ نفسَه في إبعادِه ،وحين خشي أن يُنتزعَ الوطنُ من قلبِه فيفقده مرّتين أضمر في نفسِه أن يقتاتَ على ذكرياتٍ له تبقي على جذوةِ الحنينِ مُتّقدة ، يصطلي بها كلّما هزّته رِجفةٌ في غيرِ دثارِه !
لأجلِ ودادٍ لا يضمن بقاءه سيرحلُ هذه المرّة !
كان قلبُه أرحبَ بكثيرٍ من تلك الحقيبةِ التي أعدّها للسفر ، لم يحزم كثيرَ متاعٍ كما حزم كثيرا من الذكريات !
إنّ الجماداتِ التي يرتبط وجودُها بأشخاص أو مواقفَ غالبا ما تثير أضعافَ أضعافَ وزنها من الشجون واللواعج، حتى فكرة التخلّصِ منها ستصيبه بالوهن لأنّها تثير فيه شعورا بالخيانة !
لقد توهّم أنّ رائحةَ الأشياء ستجعله حاضرا رغم الغياب ،فعمد إلى وضع زجاجةٍ فارغةٍ من عطر أمّه في حقيبته لتُسرعَ به إليها كلّما أضناه الحنين و حزّه الشوق !
لم يكدْ ينتهي من ترتيب الأشياء في الحقيبة حتى اشتعل دماغُه بالفوضى ، لم يكن ثمّة سيورٌ تمنعها من الترهل والتمدّد ..
لقد همّ أن يلعنَ نفسه تلك التي انفصمت فلم يعدْ يفهمها فهي تحفّز فيه توْقا للهروب ثمّ تُذكي فيه شوقا من قبل البُعاد !
أصاخ سمعه لكلْتيْهما تختصمان :
- ألمْ يُربّكَ الوطنُ فيه وليدا ولبثتَ فيه من عُمُركَ سنين ؟!
- وهل تلك نعمةٌ يمنّها عليّ..لم يخترْني ولم أخترْه !
- إنّكَ لجاحد !
- لم أكن لأجحدَ فضلا أو أكفرَ بنعمة ، لكنّي سئمتُ البؤسَ و كرهتُني راضيا به !
- لا تلوموا الوطنَ إذاً ولوموا أنفسَكم ..
- سأرحلُ غير لائمٍ ولا ملوم ، سأرحلُ بذاتِ الهدوء الذي أغرى بنا القوم حين ألقونا كَرها في العاصفة !

سيظلّ مغتربا ، يكتب عن الوطن والأرض حتى يشيخَ القلم و يجفَّ مدادُه في ذاتِ قتال ثمّ يُصرّ صريرا كما الحشرجة أن سلامٌ على الأوطان ، سلامٌ على البائسين فيها ثمّ بُعدا للشوق إليها كلّما طاف بنا طائفُه ! 

الكاتب :

بيض الوجوه كريمة أحسابنا***شم الأنوف من الطراز الأول

0 التعليقات: