هنا غزّة... صدّق و لا تصدّق !
في الجزء الجنوبي من فلسطين ،وعلى شاطئ بحرٍ هدّار تقف "غزّة" ؛ مدينةٌ صغيرة تتعرّى للبحر وتدّرع للغزاة ، في تربها خضاب الشرف وفي سمائها دخان الظلم وفي أزقتها أنين البؤساء و المحرومين ..هنا غزّة... هنا الكف التي تلاطم المِخرز ، أجل إنّها لم تعجز لكن صدّق أيضا أنّها نزفت كثيرا ، وصدّق أنّها وعلى مدار عقودٍ لم تجد من يضمّد جرحها!
صدّق أنّ ثلاثة حروب أتت علينا و غيرها متفرّقات من انتفاضات واجتياحات و استهدافات و غارات ، كلّها أشعلت في مفارقنا الشيبَ قبل أوانه ، أوهنت أجسادنا و أحرقت أعصابنا لكنّها على أية حال جعلت عددا لا بأس به من الشعب كُتّابا و محلّلين وسياسيين و شعراء و متسوّلين أيضا!
إنّ أغلب هذا الشعب من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة أو هكذا غدا..
إنّهم لا يخافون الموت ، إنّهم يخافون الحياة في ظلّ الموت!
لا أخفيك سرا -قارئي العزيز- أنّني أبحث عن سدّاداتٍ مُحكمة لتصمَّ آذاني عن صوت الانفجارات الذي يُفقد قلبي صوابه فيخبط على غير هدى ، أسمع ضرباته.. أكاد لا أحصيها..
صدّق أن طفلا في السادسة من عمره يُصاب بالتأتأة بعد أن هزّ قصفٌ عنيف أركان جسده الصغير!
إنّه - وبعد أن وضعت الحرب أوزارها- ثمّة فتاة طريّة في عمر الزهور تباغتها نوباتٌ من الصرع في كل ليلة... نعم انتصر القوم لكنّ أهلها مازالوا يتجرّعون الهزيمة !
شاب في العشرينات من عمره يفقد شعر حاجبه تماما ، و السبب -كما قيل له- أنّه ربّما حكّ حاجبه عندما كان يشعر بالخوف!
امرأة أُجهض جنينُها بينما كانت تحاول الهرب ، وأخرى أصيبت بالعقم حتى دلّكتها عجوزٌ توصف يدها ب "البركة" !
لا تصدّق أبدا أنّنا في غزّة لا نخاف.. كلّ ما نفعله هذه الأيام أنّنا نخشى الحروب.. إنّه عملٌ مرهقٌ جدا..!
أشفق كثيرا على نفسي وعلى شعبي ، على الغدة الكظرية في إجسادنا أن تعمل باستمرار لتفرز كمياتٍ عظيمة من الأدرينالين توازي كميات السيروتونين المعشعشة في أدمغة الملوك والحكام.
نخاف ليحملَ ولاة أمور المسلمين وزرَ أن يُروّع مسلمٌ في بلادهم وهم رقود!
إنّنا نخاف رجاء أن نكون من الآمنين بو الهَول الأعظم !
.......
غزّة... زاويةٌ أخرى..
دائما ما يراودني إحساسُ أنّنا قطيع يدّعي ملكيته رعاةٌ /جزّارون كُثر ، يجوّعونه أو يبيعونه أو يذبحونه ، والذئب واحد!
أيضا لا يغادرني شعور أنّ الجميع متناقض في هذه المدينة رعاةٌ /جزّارون و رعية /قطيع ، يناقضون أنفسهم أو بعضهم و يكذّب بعضهم بعضا ، فثمّة من يصدح بأنّه متشبّثٌ بأرضه ، يردّ آخر: لا تصدّق ، إنّ كلّ ما في الأمر أنّه لا يملك ثمن التذكرة ، ثمّ يملكها فيغادر..
في هذه المدينة يتعلّم الجميع -قسرا- فضيلة الصبر فهم يضطرون كثيرا للانتظار ؛ينتظرون استلام الدواء ، فرصة توظيف ،صرف الرواتب ، صرف شيكات الشئون ، تعويض الأضرار ،تعبىة أنبوبة غاز ، عودة الكهرباء ، فتح المعبر ، الخطابات والمؤتمرات فارغة المضمون ، دخول السفير القطري أو خروجه ، ينتطون توقيع المصالحة ثم ينتظرون تنفيذها ، غالبا ما يضطرون لانتظار إعلامهم رسميا وفاة أو استشهاد أحد أقاربهم لنقص الإمكانات ، ينتظرون النكبات والنكسات ، الحرب والهدنة... ينتظرون الفرج!
هذا الشعب مسكينٌ جدا رغم جبروته في مقارعة عدوّه ، ثمة أشياء بسيطة تغمره بالفرح ؛ عودة التيار الكهربائي -مثلا- بعد انقطاع دام لاثنتي عشرة ساعة يجعل الأطفال والكبار يقفزون فرحا في البيوت و في الشوارع..!
أن يحصل الموظف في نهاية الشهر على ثلاثة أرباع الراتب بدلا من نصفه..
أن يهبط سعر كرتونة البيض إلى تسعة شواقل مثلا ،
أن يحصل خريج جامعي على فرصة عمل مؤقت كعامل نظافة في إحدى المؤسسات
أن يخطو أحدهم خطوة واحدة خارج حدود القطاع ليأخذ صورة سيلفي و يكتب "إلى اللقاء غزة" !
هذا الشعب أحق بالأمن ، أجدر بالفرح...


0 التعليقات: