لم يكن الأمر
سهلاً أن أبتعد عن روتين متكرر يومياً ، تصفح مواقع التواصل
الاجتماعي ، ونشر المنشورات وحصد الاعجاب والتعليقات ومشاركة الناس همومها بالتعبير
عنهم كتابة ، الا أن ثمّة ضيق أوقفني عن كل شيء ، تساءلتُ مراراً ماذا تجدي الكتابة
مع قلوب ارهقهتها الدنيا بفتنها؟ ماذا تجدي مواقع التواصل الاجتماعي مع قلوب
ارهقتها بلادة الشعور، فتجد نفسك بلا احساس جميل تشارك اصدقاءك افراحهم واتراحهم
ومناسباتهم عبر المادة فقط ، بتعليق كتابي على منشور اذاع بها احدهم عن حدث جديد
عايشه!.
ثم تشعر بالضيق وتظن نفسك عاجز وغير منجز عندما
ترى بريق كثير من الشخصيات التي تسوق نفسها عبر المادة بأنها صاحبة شأن
وانجاز كبير ، ثم ماذا ؟
ثم أنك تجد نفسك
تتبلد أكثر ، تسرقك المادة بلا تنبّه منك ، حتى تجد نفسك غارقاً فيها الى أخمص
أذنيك ، فلا أنت قادر على تركها وملئ الوقت الذي كنتَ تقضيه عليها بأمور أخرى ، ولا
أنت قادر على البقاء فيها لأن ثمة شعور بالبلادة يسيطر عليك وانت ترفضه وتبحث عن
وسيلة مساعدة .
ولكن عزيزي
القارئ الأمر لا يحتاج الى كل هذه المقاومة العنيفة التي تعتقدها ، فقط تذكر أن
ثمّة أوقات تستحق أن تعيشها في روحك وليس في ماديات الدنيا ، كأن تجلس مع نفسك ساعة
تستذكر فيها بضع ماضيك ، تراجع فيها ما كنتَ عليه ، تستذكر أحبة رحلوا من عالمك ، ما
مصيرهم بعد فقدنا لهم ، ألسنا مرتحلون نحن أيضاً؟ ألسنا على موعد مع الأجل المسمى؟
ألسنا على حافة العمر اذا العمر ينقضي بلا اذن؟ علامَ كبلتنا الدنيا بماديتها
وسلبت منا الروح والعقل والقلب ؟ اليست ارواحنا احق بالرجوع لها ؟ اليست قلوبنا
احق بالراحة ؟ خذ قسطاً من التأمل الحقيقي ستجد نفسك رويداً رويداً تخلق لنفسك
عالمك الجديد ، عالم الروحانية التي ستقودك الى نفسك ، ففي حرب عزلتك تكسب السلام
مع روحك ، هذا السلام الذي لو طوّقك ستجد نفسك حالماً بكل جميل ، ساعياً له ، محققاً
إياه تالله ، لأن المادة مرهقة ومخادعة .
أجل المادة مخادعة
اذ نحن قدسنا المشاهير المزيفين ، أصبحنا في حالة تقليد لهم في كل شيء ، كيف لا
وتجدهم يسوّقون أنفسهم بملابسهم كأنهم عارضي أزياء ، بطعامهم كأنهم أبناء الطبقة
المخملية ، بكتاب يقرأوه وطقوس "المثقفين" التي باتت اشبه ما تكون بالزيف
المقيت ، بتسوقهم ورحلاتهم وسفرهم وكل دقيقة في حياتهم هي قصة منشورة للعوام ، حتى
يعطوا انفسهم قوة حضور في ذهن متابعيهم ، فلا يملون من طرح انفسهم كمبدعين ومنتجين ،
فيما تظل انت حبيس سؤالك "لماذا انا لستُ مثلهم منجز؟" ، كلا يا عزيزي ،
لو نظرت الى نفسك والى اين وصلت ستجد انك قطعت شوطاً كبيراً في الحياة منجزاً ، ولكنك
لستَ على هذا القدر من الزيف مثلهم ، اذ لا تبحث عن شهرة مادية ، ولا ترى نفسك سلعة
تحتاج لأن تسوقها للعوام عبر المادة التي ستأخذك الى الهاوية رغم ظنك بانك منجز
ولو بعد حين .
عزيزي القارئ ثق
أن الانجاز يحتاج الى جهد ووقت ، وطالما كنت مهووس شهرة وقدّيس مادة فلن تجد وقتاً
لتنجز به ، وستكون يوماً ما عبد نفسك ومطامعها في ماديات الحياة فاحذر ضياع روحك
واعتزل لتعتدل .

0 التعليقات: