صباحات الشهادة


لم أرَ كصباحات نيسان في بلادي ، صباحاتٍ تأبى أن تكونَ أقلَّ من ربيعيّة..
تأتلق مطالعها حين تجتذب السماء أرواحهم ، فتنسلُّ بخفّةٍ من أجسادهم و تطلّ علينا أقمارا تبثُّ من أنوارها حبا يغمر قلوب العالمين و ألفةً يجاوز شعاعها عيون العارفين .
صباحات لا يعبق هواؤها بأريج الزهور فرائحةُ الدماء تفشّت في الأثير!
لا تبدأ بخدَرِ الأحلام الجميلة و لا بتمطّطٍ يعقب نَومةً هنيئة..
إنّها لا تبدأ غالبا بفنجان من القهوة و لا بقطف الورود بل بقطف زهرات القلوب و فلذات الأكباد!
أنا أحيانا تغلبني حبسةٌ في التعبير عندما أرقب ذلك الجلال الذي يغشى وجوههم ، لا أذكر أنّه قد احتشد في دماغي كمٌ من الكلمات ولم أستطع كتابتها كمثل هذه الأيام.
إنّ لعظمتهم قوّةً تلجم اللسان وتذهب بالبيان ، و لأرواحهم تلك الخالدة في حواصل طير نسائمُ زكية يعرفها الصابرون .
هذا الشهيد قد كبّر على الدنيا في قلبه أربعا قبل أن ينصبوه هنا للصلاة عليه!
لقد ارتقت روحه إلى جوار ربّه قبل أن يرتقي محمولا على أكتافهم..
لقد قرّ في مقعد صدقٍ قبل أن يلحدوه التراب
إنّهم يتشابهون كثيرا ، كأنّ مسحةً من مَلَكٍ كريم تطوف عليهم واحدا إثر آخر ، تسكب من نضرةِ نعيم الخلودِ في محيّاهم أثرا يبشّر ذويهم المترَعة قلوبُهم بمقعدهم و حظوتهم عند مليكهم.
و هم إذ ينتقلون من دارٍ لدار ، و من جوارٍ إلى جوار ، يودّعون أجسادا أجهزت عليها الكُلوم ، لتدهشَ أرواحَهم حفاوةُ القدوم  ، ما يغريهم بالرجوع و معاودة الكرّة ، ليذوقوا النعيم غير مرّة!
و قد قضى الله أمرا ؛ أنّهم إليها لا يُرجعون ، و هم في ما اشتهت أنفسُهم خالدون.
يتعارفون و يتزاورون ، فهذه روح شهيدٍ يعرفونه ، و تلك لشهيدٍ آخر قضى منذ زمن ، و بينما هم كذلك إذ تفوح رائحة طيبة فيُقال هذه روح فلان بن فلان ، لقد نزل في ضيافةِ ربّكم ، فيجتمعون و يُسلّمون ثمّ يقولون قَولةً واحدة:  " قد وجدنا ما وعدنا ربّـنا حقا" ، فيا ربِّ بلِّغ ، يا ربِّ بلِّغ.!


الكاتب :

بيض الوجوه كريمة أحسابنا***شم الأنوف من الطراز الأول

0 التعليقات: