أحاول أن أبتدأ بكلام جميل، ثقيل ربما، أو متوازن على الأقل .. أحاول أن أحث كلماتي على ارتداء أبهى حللها اليوم، لعلي أصل إلى بعض القلوب النقية التي يُفهمها مقال القلب.
في كل عام يمر يزداد إدراك المرء، إما لطريقه و أهدافه، و إما لنزواته -التي لم تكن تعني شيئا- و أخطائه، كل عام يمر يحمل لحياة كل فرد منّا مجموعة من المعارف، جيدة كانت أو رديئة ، مفيدة أو مضرة .
لا يكتب معظمنا إلا عن تجربة عاشها و لست - طبعًا- بدعا من ذلك .. تخط أناملي العديد من مشاعري و نظراتي في الحياة، و في كل مرة أعود لكتاباتي القديمة لأرى كيف تشكلت بعض أفكاري اليوم .
" نتوه قليلا ثم نعود إلى المنتصف الدافئ بعد أن نجد الهدف الذي خُلقنا لأجله " .. هكذا أشعر هذه المرة بعد أن اخترت طريقي الذي سأسلكه، هكذا أشعر و قد بدأت مسام عقلي تتفتح على أشياء لم أرها من قبل أو ألحظها أصلا، هكذا بدأت أفكر في كل ما أراه و أكتبه و أقوله و أفعله .. و يا لعجبي - في مقام لا يستلزم العجب - عندما وجدت كل تلك الثقوب السوداء التي تملأ روحي 💔. يتسع المقام أمامي لأكتب عن نفسي مجددًا ، لكن بقيةٌ من نية طيبة ما زالت تجاهد لتشق طريقها نحو أوراقي أملاً في إيجاد متسع لها هنا بين الكلمات .
" يُقال أن أعظم بلاء أحاط بأمتنا اثنان : أولئك الراغبين في موديلات جاهزة "مفصلة "من العلماء، و أولئك العلماء المفصلين على أهواء الناس " .
نسمع اليوم فتاوى عجبا، و كأنها تخرج من جوف مسيلمة الكذاب نفسه، تتداولها ألسن الناس و جوارحهم، تتقاذفها أفواه الجاهلين بدين رب العالمين ..و من مِنظار بعيد يبدو أن الخطأ كله يقع على كاهل العلماء " المسيلميين "، الذين يحاربون الدين بإسم الدين، و يبيعون آيات الله بأثمان بخسة من شهرة و عظمة و مكانة عند الحاكم و السلطان . لكن الحال ليست هي الحال، و ما يُرى من بعيد لا يمت بصلة للواقع القريب، و الشعب الجاهل " المسكين " لم يعد جاهلا و لا حتى قريبا من كلمة المسكنة البائسة .
تسألك إحداهن عن حكم إرتداء الحجاب، تجيب بآلية - كأي طالب علم مبتدئ - بالوجوب، و تطفق في الكلام متحمسا عن شرح آيات سورة النور و عن وصف بديع لحالة نساء عصر النبوة، و تقص بتأثر بالغ حكايتهن عند نزول آية التحجب و و و تقاطعك عندها بقلة زوق - كما يقول إخواننا المصريين- و كأنها تستعجل إجابة أخرى غير تلك التي تقولها : هل محل الإيمان القلب ؟ ببطء تجيب بعد أن تدمر حماسك و نفسيتك أن نعم، الإيمان محله القلب لكن .. مرة أخرى تقاطعك، و هذه المرة بنبرة انتصار و عجب : بارك الله فيك شيخنا. تمضي تاركة علامات التعجب تملأ سحنة وجهك، و إشارات الإستفهام تقفز منتشية فوق رأسك . تعود لبيتك و تغلق الأبواب على نفسك و تقول لقلبك هيت لك، لكن المسكين من فرط ضعفه يتمنع، فتأتي نفسك الأمارة بالسوء متغنجة سافرة عن وجهها لتوقعك في بحر الغواية العميق .
حكاية بسيطة ربما، تُعاد مئات أو آلاف المرات، تَعرض لها كل من حمل مشعل النصيحة في زمن أصبح فيه كل كلام -لا يدخل ضمن نطاق الغيبة و نشر الأخبار- " تدخلًا في الخصوصيات " .. حكاية بسيطة حقًا و لطيفة، ففي بعض الروايات أن التعرض لكلام قاس و مهين أصبح الرد العام على الناصحين المتدخلين في أمور الخلق و العباد.
في نهاية المطاف يتخلى الناصح عن دوره الهزيل، ليبدأ مهنة أخرى تلقى فيها نفسه التقدير، ليتحول بعد مدة إلى خياط ماهر و تاجر محنك، يبيع الفتاوى التي تناسب مقاس كل مستفت " عالم " .
هو دور متقن يلعبه طرفان، جاهل متعالم، و متعلم جاهل، كلاهما يريد رضى نفسه ثم الآخر، و ضاعت ملامح الدين بين بائع ذليل و مشتر مغرور .


0 التعليقات: