عن رزان..



عندما رأيت صورتها على لوحة إعلاناتٍ كبيرة وسط المدينة تنبّهتُ إلى قلّةِ بختنا -نحن الكادحين- في أوطاننا ، فعلى الواحد منا أن يموت فيها لكي يحيا!
و مما يستدر الدمع أننا في زمان  يكافأ فيه الأبطال بعد رحيلهم بأجزل العطايا وأكبر الصور وأغزر الدموع أيضا!
هكذا يلجون إلى التاريخ ، فيمنحهم صفحةً من صفحاته عندما يكونون قد ولجوا إلى قبورهم آمنين..
                    (1)
 - الجمعة.. الأول من حزيران..
المشاعر ذاتها تتردّد في كل جمعة ، أحاول ترجمتها نصا يليق بمقامهم لكن ليس ثمّة ما يسدّ الرمق ، ربّما أصبحت الكلمات حلا مؤقتا لهيجان النفوس وتعبيرا فاترا عن بركان من العواطف تتلظّى نيرانه..
لقد أدمنّا الحديث عن الشهذاء كما لم يفعل أحدٌ من قبل ، ومازالوا رغم هذه المبارزات نصّا يتعسّر شرحه.
لقد أصبحوا - وهم الأحياء عند ربهم - نبض قلوب الأحياء على أرضهم.
  - رزان العشرينية..
مثل مَلاكٍ رحيم في مسحته سرّ الشفاء تتنقّل رزان بين أبطال بلادها تضمد جراحاتهم ، تبدو فتاة عادية لكنّها ليست كذلك..
أكاد أنظر إليها وهي تقترب من خطوط التماس ، تلوّح لآلة الحرب بالسلم وتستشفع بمعطفها الأبيض من سعير البارود..
تكاد تصعقهم شرارةٌ من قلبها تنبيهم عن قوةٍ بلا سلاح وتعيّرهم بسلاحٍ لا يقتل رِعدة الخوف في قلوبهم!
أكاد أسمع دقاتِ قلبها الهادئةَ حدّ العجب وهي تغريها بالتقدم أكثر لإنقاذ قلبٍ يضطرب يوشك أن يموت..
وكأنّي ألمحها تسلقهم بعيني عُقاب ، فتزيغ أبصارهم وترتعش أقدامهم ، يفزعون -كعادتهم- بهلعٍ إلى بنادقهم ، يصوبونها إلى صدرها ليقتلوا قوةً ما هناك أرعبتهم..
تجندلت رزان وجندلت معها قلوبا ، انتحب عليها من عرفها ومن لم يعرفها ولا عجب فالنهايات حصاد البدايات والخواتيم -في الأغلب- تقرّر صدق المقدّمات.
ربما أجحف العالم بحقها وبحق الكثير غيرها حين لم يمنحها هذا القدر من الحب في حياتها ، ليدخر لها حبا مضاعفا وحزنا مضاعفا أيضا !

 
                   (2)
لا أعلم كيف قضت رزان ليلتها حينما باتت في حِضنٍ غير حِضن أمّها ، لكنّه على أيّة حال يشبه إلى حدّ كبير حضن الأم ؛ يسكن فيه الجسد ، ينتهي فيه الألم وتخرج منه إلى حياةٍ جديدة.
أغمضت رزان عينيها أخيرا عن مشاهد الظلم و ارتحلت روحا وجسدا إلى عالمٍ ترى فيه عدلا لا يجاريه عدل ، و حقا لازما ميعاده يوم الفصل..  

الكاتب :

بيض الوجوه كريمة أحسابنا***شم الأنوف من الطراز الأول

0 التعليقات: