الصفة الإبليسية


" لم أكن أدري عنه شيئا لذلك أردت أن أتأكد ؛ هل من آثر عن الرسول صلى الله عليه و سلم يخبرنا أن في يوم القيامة أقوام سيمسكون أبواب الجنان و لا يفتحونها إلا لمن أرادوا ؟! هل من آية يخبرنا الله تعالى فيها عن الناس الذين يحاسبون غيرهم في مكان الرب و يدخلونهم الجنة الأبدية أو الجحيم السرمدي ؟! " 

 ليالٍ عديدة طويلة أبقى في انتظار صباحها و أنا أعطي الفرصة لعقلي كي يختار إجابة تشفي مرض الفضول الذي ينتابه في كل مرة ، ليال تمر كالدهر لجسدي المتعب و كرمشة عين سريعة لعقلي الساهم في تفاصيل الكون و الحياة .. لكنني أعترف أن التفكير في هذا الأمر أتعبني . 
أردت فقط أن أعرف من أين جاءت " النزعة الملائكية " عند بني آدم ، من أين فهم المسلمون معنى " صكوك الغفران البشرية " التي يعطيها بعضهم لبعض !! من أين تعلموا عقلية " التعالي الشيطاني " و علموها لكل من رأوا فيه ذرة كبر أو غرور - زائد حبتين عن اللزوم - !
هكذا بدأت أفكاري الفضولية تغلي داخلي ، تأخذني تارة نحو أعماق نفسي المختلطة ، و تجعلني تارة أخرى أقرأ بعض ما تقوله عيون من حولي و أسمع بعض الجمل التي تختفي خلف كلمات لم تصل و حروف لم تُنطق .. تأخذني تلك الأفكار إلى يومٍ قبل نزول آدم إلى جحيمه الدنيوي ، إلى اليوم الذي طلب فيه الله من ذلك المخلوق الجهنمي أن يسجد لأبينا لكنه أبى أن ينحني لمن لم يُخلق من نفس مادته .
 تعيدني إلى الكيد الشيطاني الأول ، إلى الغلطة الأولى ، و إلى الحساب الإلهي الأول .. هكذا بدأت قصتنا مع " الكبر " ، تلك الصفة التي ولدت من رحم إبليسي خالص ، تلك الصفة التي لم يعهدها الكائن الإنساني إلا بعد النزول الأرضي ، تلك الصفة التي منع بها الله دخول كل من يحمل فيروسها - الذي يصيب القلب مباشرة - إلى الجنة ..
" تكبّر إبليس فدخل النار مخلدا ، أخطأ آدم فأُعطيت له فرصة ثانية و ثالثة و رابعة .. " .. أتأمل قصة آدم و إبليس مرارًا و تكرارًا ، و في كل مرة أقف على حقيقة أخرى تتجلى لي بعد خفائها طويلًا .. أتساءل كيف انقلبت موازين الفهم البشري و انحدرت إلى هذه الدرجة المنحطة من الغباء المتجسد ، كيف أصبحنا نقوم بالأسوء في سبيل الإبتعاد عن السيء ، كيف أصبحنا نترك الجيد من أجل الأقل منه حُسنا و جودة ، كيف ارتبطت الظواهر بالباطن المتستر تحت أغلال لا تُرى و لا يُسمع لها ركزا ؟!
أعتقد أن عقوبة النفس البشرية تكمن في كونها تنجذب لما يسقطها من علو ، لما ينزلها إلى الدرك الأسفل الذي أراد الإسلام إبعادها عنه ، لما يشعرها بتفوقها الزائف عن الآخرين .. 
و لهذا السبب أصبح المتكبر على الخلق أحسن من المخطأ ، و أصبح الناظر للناس من علو أفضل من المنكسر على عتبات التوبة و الغفران . 
كيف يريد الجنس البشري إذًا أن يُخرج الصفات النورانية التي خلقت معه - بعد النفخة الإلهية - و هو لا يجاهد نفسه أدنى المجاهدة في التحلي ببعض صفات الخالق ؟ كيف لنا و نحن الذين نصفق للمدعي و نحتقر المسيء التائب أن نصل للنقاء الذي كنا عليه قبل الوصول إلى الأرض ؟! كيف لنا أن نتكلم عن المثل العليا و نحن غارقون حد التخمة في ذواتنا الضئيلة الفانية الأنانية .. 
كيف أصبحنا أبالسة في حين أننا من أبناء آدم ؟!

الكاتب :

0 التعليقات: