قصيدة "نُقُوشٌ على شَاهِدَةٍ"

أُحَيْبَابَ قلبي كيفَ طابَ لَكُمْ هَجرِي؟
وكيفَ أَبَحْتُمْ حُرْمةَ الدَّمِ للهدْرِ؟

وكيفَ ظَنَنْتُمْ أن أرى العيشَ بعدَكُمْ
يُطَاقُ ولولاكُمْ لما طابَ لي عُمري؟

وكيفَ صَرَمْتُمْ حَبْلَ وَصْلٍ حَلفْتُمُ
بإيثاقِهِ ما دامَ شِريانُكُمْ يَجرِي؟

وهِنْتُ عليكُمْ يا لَكَربِِيَ وحُرقَتِي
وأنزلتُمُونِي سالِفًا أرفَعَ القَدْرِ

سَقَيتُمْ فؤادي خَمرَةَ الوصلِ، عُتِّقَتْ
بطُولِ اشتياقٍ ثُمَّ أنكَرْتُمُ سُكْرِي!

وخلَّفْتُمُونِي أسهلَ الصَّيْدِ للبِلَى
يُفتِّتُنِي سُقْمِي ويَنْحَتُنِي قَهرِي

ومِنْ نَكَدِ الدُّنيا عليَّ صدودُكُمْ
وإقبالُكُمْ ،يا ويحَ قلبي، على غَيْرِي

وأنِّي بِرُوحي أن أراكُمْ لمرَّةٍ
وغيري يَراكُمْ ،لا يُبالي، على كِبْرِ

أُقَرَّبُ مِنْ قبري بلا أيِّ حيلةٍ
وأُوَّاهُ كَمْ قَدْ لذَّ لي بَعْدَكُمْ قَبْرِي!

ويُرْدِي فؤادي بعدَكُمْ كلُّ تافِهٍ
مِنَ الأمرِ بعدَ الوصلِ كم شدَّ لي أزري!

لقَدْ ضاقَ رَحْبُ الكَونِ بي بَعدَ نَأيِكُمْ
وضاقَ بأنفاسي على شَغَفِي صَدري

وواللهِ لولا اللهُ لم آلُ بَعدَكُمْ
بِنَحْرِي لنفسي آهِ لو حُلَّ لي نَحْرِي

لَئِنْ ما دَرَيْتُمْ كيفَ حالي بِعِلمِكُمْ
بِحُبِّي لَكُمْ،يا ليتَ شعري، فَمَنْ يَدْرِي؟

قَضَيتُمْ بِتِيهِي عندما سارَ رَكْبُكُمْ
فما ساعةٌ مَرَّتْ ولَمْ أَخْلُ مِنْ سُعْرِ

فأمَّا الكَرَى ما كانَ حِلًّا لعاشِقٍ
إذا كانَ موصولًا وإنْ كانَ في هَجْرِ

وأمَّا الطُّوَى قد نالَ منِّي منالَهُ
لزُهدِي بما يُحْيِي وشوقي إلى الدَّثْرِ

وأمَّا سقامِي لم يَزَلْ بِيَ عاثيًا
ووجدِي بِكُمْ ما زالَ مِنْ شِدَّةٍ يَبْرِي

وأذكُرُ أيَّامًا تقضَّتْ بِقُربِكُمْ
فأُنعَشُ مِنْ ذِكْرٍ وأُقْتَلُ مِنْ ذِكْرِ

تُحَاصِرُنِي أطيافُهَا فكَأنَّهَا
ليالي الصِّبَا بالشَّيخِ تَسْرِي على سُخْرِ

فلا الدَّهرُ يُسليني هواكُمْ ولا لَكُمْ
إغاثةُ مُضنَاكُمْ ولستُ بذي صَبْرِ

وما لي أنيسٌ بعدَكُمْ يا أحبَّتِي
وفيكُمْ إذا جالستُ مِنْ أحدٍ فِكْرِي

وواللهِ لا أنسى لَكُمْ أيَّ طلعةٍ
إليَّ، أَغَارَتْ بعدَهَا طلعَةَ البَدْرِ

ولا ليلةً حتَّى الصَّباحِ تَطَيَّبَتْ
بما ضاعَ مِنْ طِيبِ المَبَاسِمِ مِنْ عِطْرِ

ثَمِلْنَا بِهَا ما ثَمَّ في الأرضِ غيرُنَا
وللهِ ما أَرْيُ الرُّضَابِ مِنَ الخَمْرِ

قَضَينَا بِهَا حاجاتِنَا فكأنَّها
-وقد قُضِيَتْ حاجاتُنَا- ليلةُ القَدْرِ

سَكِينَتُنَا أَرْخَتْ علينا سُدُولَها
سلامٌ وغشَّانَا إلى مطلَعِ الفَجْرِ

ولمَّا تلاقَينَا لأوَّلِ مَرَّةٍ
وأوقَعْتِ قلبي يا حبيبةُ في الأَسْرِ

وأرخَيْتِ عن عَيْنَيْكِ ما حاكَهُ الدُّجَى
بدا النُّورُ يَسبِي، راحَ في مهجتي يسري

غَزَانِي هواكِ الصَّعبُ واستوطَنَ الحَشَا
وللهِ ما أمضى حياءَكِ في الخِدْرِ!

وعُدتُ إلى داري عليلًا متيَّمًا
وحاولتُ كتمَ الحُبِّ حتى فشا أمري

وحارَ بنو قومي بما حلَّ بي هوًى
فأعياهُمُ طِبِّي وما عرفوا عُذْرِي

وأنَّى لذي قلبٍ رآكِ سلامةٌ
وأنتِ بأبهى ظبيةٍ فَتَنَتْ تُزْرِي؟

ومِنْ وقتهِا فالحُبُّ في القلبِ مالكٌ
ومن وقتِهَا ما اسْطَعتُ دَفْعًا لذا السِّحرِ

فلا تُنكِرِي باللهِ يا مَنْ هَواكِ مِنْ
دِمَا مُهجَتِي والرُّوحِ سِيطَ على شِعْرِي





الكاتب :

هناك تعليق واحد: